فخر الدين الرازي
47
تفسير الرازي
إعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن دلائل صحتهما ما أراد أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف . فالحكم الأول : في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال القاضي رحمه الله : إنه تعالى لما أجمل في قوله * ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ) * فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف ، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق ، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب ، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً ، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإثابة ، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال ، فإنه يجازي القليل بالكثير ، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً ، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فصارت الواحدة سبعمائة . الوجه الثاني : في بيان النظم ما ذكره الأصم ، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته . والوجه الثالث : لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين ، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت . المسألة الثانية : في الآية إضمار ، والتقدير : مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة . المسألة الثالثة : معنى * ( ينفقون أموالهم في سبيل الله ) * يعني في دينه ، قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصة ، وقيل : جميع أبواب البر ، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير ، ومن صرف المال إلى الصدقات ، ومن إنفاقها في المصالح ، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله . فإن قيل : فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها ؟ .